الاثنين، 25 مارس 2013

زواج المتعة... أميركا والإخوان إلى أين ؟

زواج المتعة... أميركا والإخوان إلى أين
 
هل انقلب الإسلام السياسي على الإسلام، كما انقلب اليسار الطفولي على اليسار الحقيقي؟
 
ميدل ايست أونلاين
بقلم: عصام الدين الراجحي
يمثل مصطلح الفوضى الخلاقة أحد أهم المفاتيح التي أنتجها العقل الاستراتيجي الأميركي في التعامل مع قضايا الوطن العربي، حيث تمت صياغة هذا المصطلح بعناية فائقة من قبل النخب الأكاديمية وصناع السياسة في الولايات المتحدة، فعلى خلاف السائد لمفهوم الفوضى المثقل بدلالات سلبية أضيف إليه مصطلح آخر يتمتع بالإيجابية وهو الخلق أو البناء، ولا يخفى على أحد خبث المقاصد الكامنة في صلب مصطلح الفوضى الخلاقة بغرض التضليل والتمويه على الرأي العام العربي والعالمي.
وهو ما عبر عنه مشروع "التغيير الشامل في الشرق الأوسط" الذي أعده مايكل ليدين - العضو البارز في معهد أميركا انتربرايز عام 2003، وارتكز المشروع على منظومة من الإصلاحات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الشاملة لكل دول المنطقة، وَفقًا لإستراتيجية جديدة تقوم على أساس الهدم ثم إعادة البناء، بدأت الإدارة الأميركية في تفعيل المشروع منذ العام 2007 وردده كبار مسئوليها الذين كانوا بحاجة إلى أدوات لتنفيذ المخطط وإلى عرابين للترويج له ولم يكن أفضل من قطر وتنظيمات الإخوان المسلمين في مصر وتونس وسوريا.
مما يؤسف له أن هذه الحركات الإسلامية التي ترفع شعار الإسلام، أصبحت ما بين المتلذذ بالحضن الأميركي، أو المتلهف على زواج المتعة معه، والتي ترى من التبعية لأميركا العمود الفقري في سياساتها، والأهداف التي تطمح في الوصول إليها.
تشير السوابق التاريخية إلى أن الجماعة منذ أن تم اختراقها فرطت في مبادئها وهجرت وطنيتها وعروبتها وأدمنت عقد الصفقات ونامت مع الخيانة في سرير واحد وكان المبدأ الذي تعلمته هو أن مصلحة التنظيم الإخواني مقدمة على مصلحة الوطن.
لم يعد خافيا على أحد أن حركة النهضة مثلا ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، ومن الواضح أن هذه العلاقات لم تتشكل في العامين الأخيرين بعد اندلاع الثورات العربية بل هي علاقات قديمة وخير دليل زيارات السفير الأميركي الشخصية للسيد حمادي الجبالي في بيته منذ 2009 أو التردد الدائم للقيادي زياد الدولاتي على السفارة الأميركية منذ سنة 2005، بل إن عددا من السياسيين والمفكرين يؤكدون أن الولايات المتحدة هي من ساعدت جماعة الإخوان على الوصول إلى مقاعد الحكم في دول الربيع العربية وبخاصة في مصر وتونس.
من هؤلاء كان المفكر العالمي نعوم تشومسكي الذي أكد "إن الولايات المتحدة ستقبل التعايش مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر وتونس إذا كان ذلك يحقق مصالحها"، مشيرا إلى أنها لا تهتم بالصراع مع الأديان بقدر اهتمامها بمصالحها. وأضاف "واشنطن قد تقبل بالتعايش مع جماعات الإخوان المسلمين إذا تبنت الأخيرة السياسات (النيوليبرالية)" مشيرا إلى وجود مصالح معهم، لأنها لا تجد مشكلة في التحالف مع أحد إذا كان ذلك يحقق مصالحها.
وأشار تشومسكي أن القوى الغربية المتحالفة مع الولايات المتحدة لن تسمح بانتشار الديمقراطية في البلاد العربية لأنها تتعارض مع مصالحها، وأنهم سيستمرون في دعم الديكتاتوريات الناشئة في العالم العربي، وذلك لأنهم يعلمون أن الرأي العام في البلاد العربية يرفض ويعارض السياسات الغربية والأميركية.
فالإدارة الأميركية وبسبب بحثها عن مصالحها وليس من أجل تحقيق الحرية والتقدم في البلدان العربية والمسلمة قد تكون صديقة ودودة لطرف ضد طرف آخر ثم نجدها تنقلب رأسا على عقب فتعادي صديقها السابق وتصادق الذي كان عدوها في الأمس مثل ما كانت تصادق وتدعم جماعة القاعدة في أفغانستان أيام الثمانينيات من القرن الماضي من أجل أن تكون أداتها التي تحارب بها الاتحاد السوفيتي السابق ثم أصبحت هذه الجماعة عدوتها في حربها المزعومة ضد الارهاب في بداية القرن الحالي. كما أنها كانت تساند الأنظمة العربية ضد جماعة الاخوان كونها تعتبرها من الجماعات الداعمة للإرهاب وها هي تساند وتدعم جماعة الاخوان في بلدان الثورات العربية وغيرها من البلدان العربية من أجل الوصول للسلطة.
للضرورة أحكام وإلا كيف للإدارة الأميركية مساندة الإسلاميين وهي منذ وقت قريب تناقش ما إذا كان العدو الأول لأميركا هو الصين أم الإسلام؟
التنظيمات الإخوانية تريد من أميركا أن تشق لها طريق السلطة، فماذا تريد أميركا من هذا التعاون.
لأميركا هدفان الأول أمن إسرائيل وضمان مستقبلها عن طريق ترسيخ معاهدات السلام بين العرب وإسرائيل. والثاني هو مقاومة الإرهاب الذي يستهدفها ويهدد أمنها الداخلي والخارجي.
الإسلاميون "المعتدلون" هم الأقدر على ذلك. فأميركا لا يزعجها ان تقتصر "إسلامية" النهضة أو الإخوان على ارتداء زوجة الرئيس للحجاب، طالما أن التزاماته تجاه الحلف الأميركي مستوفاة، والاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية محترمة، وبالتأكيد لن يزعجها ان تقتصر "إسلامية" بعض القوى على إطالة اللحى إذا ما ارتضوا الارتباط بالأطلسي، واتخذوا موقفاً حيادياً من العدو الاسرائيلي كحد ادنى.
هذه هي الأوراق التي يستطيع الإخوان تقديمها لأميركا ثمناً للسلطة. وعند رفضها يجف الدعم وينتهي دور الإخوان في نظر أميركا بإظهار فشلهم في تقديم الحلول المطلوبة وينفض الناس من حولهم ويسهل التخلص منهم كما تتخلص من كل أصدقائها عندما تنتهي مهامهم وهو ما يتهددهم اليوم خاصة بعد طرح مشروع تجريم التطبيع في الدستور التونسي وردة الفعل الأميركي وتراجع النهضة وتبريرها الغبي للشعب.
الذين يظنون أن ما صنعته أميركا بالعراق من احتلال وتقسيم وما جرى في السودان من تقسيم له دوافع وأسباب مصطنعة، وما يجري في سوريا وعموم المنطقة العربية من أحداث مأساوية وفوضى، أمرًا مفاجئًا جاء وليد الأحداث التي أنتجته، ولكن الحقيقة الكبرى هي أن ما يحدث الآن هو تحقيق وتنفيذ للمخطط الاستعماري الذي خططته وصاغته وأعلنته الصهيونية والصليبية العالمية، لتفتيت الوطن العربي والعالم الإسلامي من خلال سياسات واستراتيجيات ومشاريع باتت مكشوفة للعالم وان تغيرت بنودها وتوقيتات طرحها، فهي تستهدف القضاء على الإسلام وتجزئة الوطن العربي والاستحواذ على ثرواته ومقدراته والتحكم فيه حاضرا ومستقبلا وتحويله إلى فسيفساء ورقية يكون فيها الكيان الغاصب السيد المطاع، واستهداف الأمة والوطن ومستقبل مواطنيها وحضارتهم وخاصة الشباب الذين هم عماد الأمة وصانعو قوتها وحضارتها ونهضتها، والذين يتعرضون إلى محاولات عمليات غسل دماغ خطيرة بهدف تغيير قاعاتهم وخداعهم وتضليلهم.
الإسلام في الجوهر ضد القهر والذل والطغيان الخارجي، وليس هناك أسوأ من طغيان وجبروت النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، فهو الذي يحتضن الكيان الصهيوني مغتصب أرض فلسطين، ومحتل قدسها، وأميركا نفسها التي غزت العراق واحتلته ودمرت كيانه السياسي، ومزقت نسيجه الاجتماعي، وأشاعت ثقافة القتل، وأميركا نفسها هي التي تحيك كل المؤامرات ولها مآرب عدوانية في سوريا ولبنان والسودان وليبيا، وفي كل مكان من الوطن العربي.
أي إسلام هذا الذي تركبه هذه الحركات، والتي تجاهر بالصداقة مع أميركا والتحالف معها، تحت شعار تلعب سياسة، وأي سياسة هذه التي تتجاوز الثوابت؟ وتدوس على كل القيم والمحرمات، فهل انقلب الإسلام السياسي على الإسلام؟ كما انقلب اليسار الطفولي على اليسار الحقيقي، وهما يتسابقان لتكون كعبتهم واشنطن ودينهم دولارهم.
اليوم يرفع الإخوان شعارات إسلامية، في حين ينخر فساد العمالة الإقليمية والشعوبية والطائفية زعماءهم.
الإسلام السياسي أصبح من حصة الولايات المتحدة على مستوى الأنظمة والمنظمات، وأصبح الجميع مدجن لخدمة الإدارة الأميركية، وهو ما يتعارض مع جوهر العقيدة، التي جاء بها اطهر خلق الله محمد، ولهذا فلم يعد جمهور المسلمين يثق بهذا النوع من السياسات التي تريد حرف الدين عن توجهاته الحقيقية ولم يعد رفع الشعارات يسمن أو يغني من جوع، فالإسلام دين عمل وفعل في ممارساته،والفعل والعمل ما يخدم الناس وليس ما يخدم أعداء الناس. لأنه ليس هناك أكثر شراسة من العداء للإنسانية، ما تمارسه الامبريالية الأميركية والصهيونية العالمية، فلماذا كل هذا التكالب على صداقتها، وإقامة زواج المتعة معها؟، وهي التي تحتل أرضنا، وتنكل بمواطنينا، وتنهب ثرواتنا، وتقف إلى جانب أعدائنا.
الإسلام السياسي اليوم يجرم في حق الإسلام والمسلمين، في التلذذ بالنوم في الحضن الأميركي، أو الركض وراء زواج المتعة منه، لأنه يشوه الإسلام وحقيقته، ويطعن المسلمين من الخلف، في خيانة حقوقهم، والادعاء بأنه يتنطع للدفاع عنهم، وهو يخونهم في دينهم ودنياهم.
تابع القراءة ←

الخميس، 21 مارس 2013

كما تكونوا يولى عليكم

 كما تكونوا يولى عليكم...
 
 
ميدل ايست أونلاين
بقلم: عصام الدين الراجحي
كان لي حوار شيق آخر الأسبوع مع أستاذي بالجامعة، شخص احترمه كثيرا وإن اختلفت توجهاتنا السياسية، خضنا نقاشات حول الوضع الراهن بالبلاد ولكن ما بقي راسخا من كلامه جملة ظلت عالقة بذهني "كل شعب يستحق من يحكمه".
استحضرت ما عاشته تونس من عقود من القهر والظلم والقمع والاستبداد في عهد النظام الفاسد،عاش الشعب مكبوتا مقهورا لا يتكلم لأنه كان محكوما بالحديد والنار، إلى أن كسر حاجز الخوف في كل شيء وتنفس نسائم الحرية ولكن هل قطع مع رواسب الماضي وتحمل مسؤولية البناء؟
كتبت مرارا وتكرارا عن الثالوث المقدس في تونس: بشائر مشروع النهضة الاستبدادي، الخور الحكومي والاستقطاب الثنائي الخطير على البلاد ونقدت وانتقدت عن حكمة وعن عاطفية فكان كلامي حبا للوطن وخوفا على شعبه، ولكن أليس لنا أن نخاف على الوطن من شعبه؟
صحيح أننا نعيش أسوأ لحظات حياتنا مع هذه الحكومة المباركة، صحيح أن مشكلتنا اليوم أن الموكل إليهم حل مشكلة الوطن هم أنفسهم المشكلة. وصحيح أن حزب النهضة اعتمد على خطة للسيطرة على مفاصل الدولة، طالما خضعت هذه الأجهزة فكل شيء سهل ويسير. وان صعبت المهمة فالفتوى الديلفري جاهزة وربي يفضلنا الشيخ: من يثور على حكمنا إنما يثور ‏على الإسلام...
ولكن ألم يقصر الشعب في أداء واجباته في التغيير الحقيقي وبناء الوطن؟
يرى الكثير من دارسي علم الاجتماع أن التغيير يبدأ من داخل الناس، وأن ما في داخلك ينعكس على ما في خارجك، و"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"> وأن "كما تكونوا يولى عليكم"، وهنالك أيضا نظرية غربية تقول أن الحاكم هو انعكاس للشعب، فمثلا رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون يمثل النموذج البريطاني الشائع في تلك البلاد، فلو تأملت في شخصيته وتأملت في شخصية أغلب البريطانيين وآلية اتخاذ القرار عند المواطن لرأيت تشابها كبيرا بينهما، وكذا في كل دولة ستجد أن رئيسها يمثل النموذج الشائع في المجتمع، لو كان أغلب الشعب طماعا ستجد أن رئيس البلاد طماع أيضا، ولو كان أغلب الشعب عصاميا ستجد إن رئيسهم عصامي، وقد يتبين ذلك عند الرئيس الأميركي مثلا، فكما تكونوا يولى عليكم، فلا تغضب إذا من الحكومة إذ أن شعبها هكذا، ولا تغضب من الحاكم لأنه انعكاس تلقائي للشعب، لو أتينا بشعب منظم كالشعب البريطاني، وأحللناه مكان شعب فوضوي تحت حكومة فوضوية، وأبقينا على الحكومة الفوضوية، فماذا سيحدث بعد فترة؟
ستصبح الحكومة منظمة قسرا، لأن الشعب منظم، يعني لو أخرجنا شعب تشاد مثلا ووضعنا بدلا منه الشعب البريطاني فماذا سيحدث في التنظيمات الحكومية والمؤسسية للبلد؟ فكر قليلا وجاوب مع نفسك.
إذا فالانطلاق من الشعب، والحاكم إنعكاس للشعب، فلو تغيرت الحكومات ألف مرة وكان الشعب بنفس العقلية والمساوئ ولم يتغير فلن تتغير الدولة، ولن تتطور أبدا،فإن لم يتغير وعي الشعب فلن يتغير شيء، وإن لم يتغير وعي الشعب فسيعيدون أخطاءهم، وسيختارون الرجل الخطأ الذي يجعجع بمبادئ الحرية والعدل كما نادى من قبل زعماء ما قبل ثورة 14 يناير، فقد كان لهم كلام يبكي في الحرية والعدالة، وبإمكانك أن تنظر في إختيار الشعب لنوابهم الحاليين وأحزابهم،لتعرف إن كان الوعي قد تغير عندهم أم لا.
فكما يختارون الآن النواب الخطأ، فسيختارون كذلك مستقبلا الحكام الخطأ لأنهم محتارون أصلا وليس لديهم تصور واضح عن المستقبل، بل ليس لديهم أي تصور عنه، فامسك الآن أحد الثائرين على حكم النهضة واسأله عن الرئيس القادم الذي يريدون أن يستبدلوا به اللارئيس الحالي، فستجد إجابته غير واضحة! وبعضهم يقول أي شخص غير هؤلاء، وبعضهم يقول: ربما يأتي من هو خير منهم. وهو بالضبط ما كان يحصل في كل مرة سابقة،فالحل إذا: هو أن تغير من وعي الشعب حتى يقرر الصواب.
المشكلة أن أكثر الناس يحكمون عاطفتهم ولا يحكمون عقلهم!
هذه العاطفة التي نراها اليوم جعلت من المواطن ضحية تحت سيطرة غيره؛ سيطرة تمنعه من القدرة على فعل أو قول ما يريد بل تلقائيا يبحث في سيده عن أي إشارة ولو كاذبة، تعطيه إحساس بالاطمئنان لهذا الجاني المعتدي، كلما زاد أمد سيطرة السيد على الضحية تقبلت لفكرة خضوعها له، وقد يتطور الأمر عن مجرد الشعور بتقبل الجاني إلى محاولة إرضائه، وقد يتطور الأمر لحمايته وإنكار أنه قام باضطهاده وهو ما يتراءى لنا في ثقافة القطيع التي يمارس طقوسها أتباع سياسينا حكومة ومعارضة.
إذا هي سنة المجتمعات التي تقع تحت الحكم القمعي الظالم لفترات طويلة حتى إنها لا تستعذب الحياة بدون هذا الحكم؛ فهو كان يفكر لها ويقرر لها ويقوم بالتنفيذ مستغلا لها، وتكتفي هذه المجتمعات بما يسمح به لها ذاك النظام الديكتاتوري الظالم من أسباب الحياة، وقد اعتادت هذه المجتمعات على هذه الحياة وتقبلتها، ولا يعني تململها بين الحين والآخر أنها مستعدة للتغيير أو التخلص من قبضة الخضوع القسري للدكتاتورية.
إن الحاكم إنما هو نتيجة، وليس سببا، وكما تكونوا يولى عليكم.
فالحرص كل الحرص على إصلاح أنفسنا، وبعد ذلك يخرج الحاكم الصالح من بيننا بطريقة منظمة ليحكمنا. لأن الحاكم هو نتيجة لتصرفات شعبه وطباعه.
إن أردنا من الأوضاع أن تنصلح فيجب اصلاح الذات والثورة على النفس وتربية المواطن المتيم بحب وطنه والساعي لنهضته الحقيقية لأنه في الأخير سيصنع مسؤولين أكفاء من أبناء هذا الشعب،من الطبقة الكادحة قادرين على بناء ربيع تونس.
فليس العبرة في الصلاح ولكن العبرة بالإصلاح، والإصلاح لا يعني الصلاة والصوم فقط بل انه تخدير للناس بالدين إذا كان هذا فقط ما يدعو إليه المصلحون وإنما مقاومة الظالمين وفسادهم وكل يبدأ بنفسه.
لم يعد يجدي تبرير أزمة الوطن أن البلاد تمر بمرحلة انتقالية، وأن مؤسساتها الجديدة لم تكتمل بعد، وأن ميراث النظام السابق ثقيل، فتلك العوامل تفرض نهجاً وطنياً عاماً تمتد فيه الأيدي بعضها إلى بعض، وتفرض شراكة بين الشعب والقوى الوطنية، وتفرض تفاعلاً ديناميكياً مع الواقع الجديد.
علينا أن نفرق بين الاختلاف فى وجهة النظر وبين التعصب والتشرذم، والحل فى ذلك هو أن نضع مصلحة تونس نصب أعيننا، وتغليب المصلحة العامة على مصلحتنا الشخصية وعلى أهوائنا، ووضع النقاط على الحروف بوضوح، وعدم العودة للفساد من سرقة ونهب والذى كان يمارس فى ظل النظام السابق، أيضاً لا ينبغى أن يقتصر الإنتاج والاستثمار والعمل على فئة معينة بل يجب أن يتسعا ليشملا الجميع.
فلا تقاس الدول بكثرة السكان أو بالغنى ولكن بجودة أفرادها وتحضرهم بصرف النظر عن خلفياتهم فجودة الفرد تعني الجدية في العمل وتحمل المسؤولية واستشعار الأمانة تجاه الوطن بالعمل الجاد المخلص لأجل الوطن وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الشخصية.
لن نتقدم إلا إذا كان الشعب مثل خلية النحل في بناء الوطن.

تابع القراءة ←

اختار بإرادته أن يكون إماما ولكن أختار كذلك أن لا يكون نهضويا

اختار بإرادته أن يكون إماما ولكن أختار كذلك أن لا يكون نهضويا
 
 
ميدل ايست أونلاين
بقلم: عصام الدين الراجحي
"وإن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً" هدف واضح وغاية سامية ومهمة نبيلة حددها القرآن لبيوت الله، وأمر الله مرتاديها أن يتحركوا داخل إطارها وحذرت الآية الكريمة القائمين على المساجد من ان ينحرفوا بمسارها من الدعوة لله وحده إلى الدعوة مع الله أحداً غيره.
عبادة الله فهماً وأداءً وتذكيراً هي ما يجب أن يحصل عليه المؤمن حالة وجوده في بيت الله، وبالتأكيد فإن المساجد في الإسلام ليست للعبادة بمعناها الضيق «أداء الصلوات الخمس فقط» بل هي للعبادة بمعناها الشامل، أن يكون الله حاضراً في أذهان المصلين في جميع أوقاتهم ومختلف شؤون حياتهم، ان يلج المسلم الحائر إلى المسجد بأسئلة تائهة ليخرج بأجوبة شافية جامعة ومبسطة، ان يهرب المؤمن من هم البيوت وقلق الشوارع وأرق الحزبية وصخب السياسة وضنك الدائن والمؤجر والتاجر.. الخ إلى أقرب مسجد ليجد راحة النفس وطمأنينة القلب وسعادة البال.. لكن هل نجد كل هذا في مساجدنا!!.. واقعها ينفي ذلك.
لقد حاول البعض تحويل وجهة المساجد من التذكير بجلال الله وقدرته وعظمة الإسلام وقيمه وتعاليم نبيه.. إلى التذكير بجلال الأحزاب وقدرة الزعيم الأوحد وعظمة أفكاره وجهوده.. ومن التذكير بمبادئ الإسلام الجامعة وقيمه العامة التي تبني وتجمع وتؤاخي إلى التعصب لآراء الأشخاص والهيئات والمذاهب التي تهدم وتشتت وتفرق.. الواقع يؤكد أن غالب مساجدنا غائبة أن لم نقل مغيبة عن مهمتها الحقيقية لصالح أهداف الحزب الحاكم.
وعلى مايبدو فإن غالب خطبائنا في إجازة عقلية غير محددة.. فبعضهم يعتلي المنابر بأوراق أو مفاهيم جاهزة المضمون ومحددة الملامح آتية من مقراتهم التنظيمية وآخرون يعملون ضمن أجندة مذهبية تأزيمية أو طائفية تحريضية.. ومنهم مشغول بنهم أسماء بعينها غيبةً ونميمة وتشكيكاً في العقائد..الخ إننا نهرب من الغيبة والنميمة في الشارع والبيت لنجدها مشرعنة في المسجد.
مساجد تونس عاشت زمناً غير بعيد من الاحتكار الحزبي لمنابرها حتى أضحت تسمى وتكنى بالمسجد الشعبة أو لجنة التنسيق، وكانت أكثر تحزباً من مقار التجمع يصعد الخطيب المنبر ناصحاً المصلين بانتخاب وطاعة الرجل الصالح بن علي بينما أنصاره يوزعون صوره أمام الباب.
اليوم لا يختلف الوضع بل أكثر قتامة وسوف أنطلق من حادثة تلخص الوضع المأساة، شاب ملتزم يتقدم لمناظرة الأئمة فينجح يعين بقرية قريبة لمدينته وقبل المباشرة يطرأ شغور في مسجد مدينته فيتقدم بمطلب نقلة ويحالفه الحظ ويعين مبدئيا الى حين البت في المسألة نهائيا من الوزارة.
عام ونصف والمسكين يعاني الويلات ودسائس الحزب الحاكم لا لشئ الا "عدم نهضويته" وكرهه للسياسة والتحزب لكن العلة لدى الرأي العام صوته وكأن البديل الجاهز النهضاوي بعبدالباسط عبدالصمد. نفس الممارسات السابقة تتكرر كمحاولات استقطابه وعند الرفض التخطيط لإزاحته بل المصيبة وفي اطار نهضوة الادارة مكالمة من الوزارة واردة على المكتب المحلي لحزب حركة النهضة ب مدينة برقو لاستشارتهم في التعيين والنتيجة... هذا الشاب المسكين محروم من جرايته مدة 18 شهرا وهو الفقير العائل لوالدته المسنة وزوجة وطفلين.
آخر الممارسات عدل منفذ مرسل من طرف عضو مكتب جهوي للنهضة للإمام وتهديده على الملأ لترك منصبه وإلا سوف يحاسب الحساب العسير.
لم يستطع الواعظ المحلي المغلوب على أمره رغم طيبته مقاومة الهجمة الشرسة وانخرط دون أن يدري في سياسة نهضوة جامع برقو ومساعدة بعض الأطراف التي تريد أن تقتنص العنوان الإسلامي وتصور أنها هي المسؤلة عنه والممثل له.
إن الضرورة تستدعي تحييد المساجد عن الاحزاب، مع المحافظة على دورها الديني وحمايتها من التغوّل السياسي، غير أنه مطلوب في مقابل الاهتمام بـ'قضايا الأمة الإسلامية ومشاكل المؤمنين كما أمر ديننا ورسولنا الكريم وليس كما أمر الغنوشي واللوز'.
أتمنى من الواعظ المحلي أن يفرق بين دور المسجد كمؤسسة دينية وبين ميوله واتجاهاته ونزعته السياسية. لقد انضم إلي قافلة «تحزيب المساجد» التي انطلقت بعد صعود النهضة إلي الحكم علي ظهر شباب ثورة الحرية، واتخاذها من دماء الشهداء سلما لبلوغ أهدافها.
أبكي اليوم على وطني، عندما علمت بان هناك مصلين انقسموا فريقين خلف إمامين مختلفين في مسجد واحد، تماما كما انقسمت تونس سياسيا ودينيا بفعل تأثير دعاة الفتنة.
لقد قال رسول الله «جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم وإقامة حدودكم».. ونهي المصطفي عن جعل بيوت الله موضعا للبيع والشراء بقوله لمن كان يعقد صفقة تجارية بالمسجد «لا ربحت تجارتك».
وكان أحرى بصديقنا الواعظ وهو يعلم أن الإخلال بما جعلت المساجد له، إثم عظيم أن ينأي بالمسجد عن أي قول أو فعل يسيء إليه، أو يقود المصلين إلي التهلكة.
أتمنى أن يصل صوتي للجهات المسؤولة لإصدار قرار تحييد المساجد عن الأحزاب كما أتمنى لفتة كريمة لهذا الشاب الذي اختار بإرادته أن يكون إماما ولكن أختار كذلك أن لا يكون نهضويا.

عصام الدين الراجحي
تابع القراءة ←

لا تكن فردا من القطيع...

نهضوي أكثر من النهضويين: لا تكن فردا من القطيع...
 

ميدل ايست أونلاين
بقلم: عصام الدين الراجحي
تنوع المشهد السياسي بعد ثورة الحرية بحيث اتسع ليشمل شريحة أكبر من الفاعلين داخل الفضاء العام بتونس. وقد برز بشكل خاص نشاط الفاعلين السياسيين الإسلاميين وتنامي دورهم السياسي والاجتماعي على تعدد مشاربهم الفكرية والعقدية جمعهم استخدامهم النصوص والمرجعية والرموز الإسلامية في تحديد هويتهم ورسم الأطر العامة لنشاطاتهم داخل الفضاءات الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية، فمنهم من يستخدم الإسلام كنقطة للمرجعية دون تبني أجندة إسلامية مع التأكيد على أن هذه القيم متوافقة مع الحداثة والديمقراطية والبعض الآخر يسعى لتأسيس نظام سياسي إسلامي محكوم بمبادئ الشريعة الإسلامية.
هذا التعدد إلى حد الاختلاف وأحيانا التضاد صلب العائلة الإسلامية ينقلب بقدرة قادر مع كل تهديد تواجهه الحكومة إلى صف واحد ضد من ينعتونه بالعدو وان كان الشعب.
يحيرني كثيرا علاقة العشق الممنوع بين باقي الإسلاميين والنهضة بل موقفهم المؤيد لها على طول الخط! فموقف الغنوشي مثلا من السلفيين والحب الظاهري والعشق المزيف لهم موقف مفهوم لأنه يستغل السلفيين وشعبيتهم الكبيرة وسط الأحياء كاحتياطي استراتيجي وقت اللزوم. لكن ما يدهشني هو موقف رموز التيارات الإسلامية المحافظة والتقدمية وبالأصح نجومها الذين ينحازون للنهضة أكثر من النهضويين أنفسهم، ويرضون بدور التابع المبرر ويحصدون كراهية النهضة التي تزيد في الشارع يوماً بعد يوم وتتجه إلى صدورهم؛ لأنهم محسوبون أو حسبوا أنفسهم على النهضويين فأصبح البعض مثلا «نهضة» بدون انخراط، والمشكلة الحقيقية التي أرجو من الجميع فهمها هو أنكم لا يمكن فى يوم من الأيام أن تكونوا منهم لأن النهضة قدس الأقداس والفرقة الناجية التي لا يدخلها إلا أصحاب الدم الأزرق من أبناء الجماعة.
كلامي هذا ليس بمنطق الاقصاء ضد أبناء النهضة فمنهم رجال صدقوا يرفعون راية الحق ولكن كثير منهم يمارسون سلوكيات الحزب المنحل، من خلال تنظيم مليء بالمؤامرات والأحقاد والصراعات ومحاولات تحقيق مصالح خاصة بعيدة كل البعد عن الإسلام حتى وإن نسبوا لأنفسهم أنهم من يمثل الإسلام فقط بمجرد حمل بعض الشعارات التي تخفي وراءها نهم وجشع كبيران للسلطة وطاقة رهيبة للعمل ليلا نهارا للحفاظ عليها بدل إنقاذ البلاد.
فهل اظلم إن قلت لا يتقبّل الجماعة وأنصارها الرأي المخالف، بل غالباً ما يبدءون بكيل تهم الخيانة والماضي التجمعي ومعاداة الدين والعلمانية الملحدة لكل من ينتقدهم، وفي كل مرة يردون على النقد بالتذكير بنجاحهم بنتائج الانتخابات، مع أن هذا ليس مؤشراً حقيقيا لأن الشعب أعطاهم أصواته بنسبة عالية بنزعة عاطفية بل ويظن جمع من المواطنون أن انتخاب مرشح النهضة هو من مداخل التقرب لله سبحانه وتعالى.
بل نفس المواطن الصالح يرى من الحكمة الإلهية التقارب الإخواني الأميركي وتحقيق الأجندة الأميركية، قد لا يكون ذلك إيمانا منه بهذه الأجندة لكن ربما كان الغاية عنده تبرر الوسيلة لأجل الوصول للحكم وبالتالي لا تمايز بينها وبين الأجندة النهضوية الهادفة للاستفراد بالحكم.
فهل أن الجماعة التي كانت كالقمر في عيون الناس وهبطت فأظلمت المكان ورآهم الناس على حقيقتها استطاعت بخلاف الرش والعمى تحقيق وعودها للجماهير.
لم يعد خافيا أن وعود 'التغيير' التي بشر بها النهضويون في حملاتهم الانتخابية،و قد كنت واحدا منهم ومنسق إحدى حملاتهم، والمتمثلة في شعارات كـ'مشروع النهضة' و'برنامج الثورة ذو 365 نقطة'، لم يتفرع عنها مشروع سياسي متكامل، فالبرنامج الذي خاضوا به الانتخابات اتسم بالعمومية، وخلا من أي تعريف لأولويات المرحلة، أو برنامج عمل يتناول إطارا زمنيا محددا أهو لسنة أو لأربع سنين، بل تم التركيز على الشعارات كوصفه بالمشروع المتكامل الذي سينقل تونس إلى مصاف الدول المتقدمة.
ولم يستند الجماعة ـ فيما قدموه من وعود في كل مرحلة ـ إلى فهم منضبط للواقع يضبط سير العمل ويساهم في تحقيق الإنجاز ويجعل الوعود ممكنة التطبيق وبسبب هذا الفقر السياسي والمعرفة الاقتصادية، فوجئ الغنوشي وأتباعه في كل مرحلة بتحديات لم تكن في حسبانهم، ومنعهم غياب المشروع والرؤية المتكاملة من التعامل معها بفاعلية، فكانت سببا إضافيا منعهم من إنجاز ما وعدوا به، ثم كان أن تذرعوا بوجود هذه التحديات لعدم الإنجاز، مع أن وجودها معلوم سابق لإطلاق الوعود، ومن ثم فالتذرع بها هو عذر أقبح من ذنب.
لقد انتظر الناس منهم الوفاء بوعود علاج المشكلات الاقتصادية وإنجاز بعض مطالب الثورة، ولكن لم يظفروا جراء سياسة العمى المتبعة سوى البؤس والتمزق الوطني والاحتراب السياسي وغياب أي رؤى اقتصادية وإحباط شعبي غير مسبوق وشماتة الكارهين للربيع العربي وحكومة فاشلة حتى لا نقول وصف آخر وغياب اليقين بالمستقبل وشعور بالخوف على تونس بدأ يتسلل إلى الجميع، ثم بعد ذلك إذا وقفت وقلت يا ناس راجعوا أنفسكم وأنقذوا الوطن واخرجوا من عباءة الجماعة والشيخ إلى رحابة الوطن، يقولون لك: ما الذي غير كلامك وموقفك؟!!، لقد كنا نعلم ونرصد مظاهر الخلل والفساد السياسي التي تتنامى منذ حادثة 9 أبريل وقلنا لعل الأوضاع تنصلح، لكنّا فوجئنا بأننا أمام رئيس وحكومة أسيران أمام وحش ملتهم للسلطة، هو لا يتصور أنه رئيس حزب، يتصرف كمرشد تنظيم ديني بكل رؤاه وحساباته وأفقه الضيق ومصالحه ورجاله وشهوته الطاغية للهيمنة وإقصاء الآخرين، ومنذ اللحظة التي فتح فيه الجبالي دولاب الدولة وسلم مفاتيحه لنفوذ جماعته، وبدأ يتحول من رئيس لحكومة تونس إلى أسير مرشد النهضة، والناس تفهم والناس ترصد والناس تشعر والناس ليست بالغباء الذي يتصوره كبار شخصيات النهضة في استعلائهم وكبرهم، فبدأت رحلة الانفضاض من حولهم، وكل يوم يخسرون قطاعًا من الشعب، وكل يوم تتآكل مساحة حركتهم، وكل يوم يفقدون جزءًا من قدرتهم على إدارة الدولة، أضف إلى ذلك التخبط في قرارات والرجوع عنها لأن "المطبخ" الذي كان يعتمدون عليه مطبخ هواة ومغامرين، وليس مطبخ كفاءات قانونية وسياسية تتعامل بمنطق الدولة.
مشكلتنا اليوم أننا شعب يسهل انقياد عقوله لما يريده ذاك الزعيم أو ما تقوله تلك الجماعة، فقولهم ممتزج بعاطفة وطنية أو دينية قد أحسنوا اللعب عليها فغدت مخالفتهم إما خيانة وإما كفراً. وصار حال من أراد التفكير كفرد من قطيع ابتعد عنه فصار صيداً سهلاً لجماعة الضباع المسلحة بمخالب التكفير والخيانة.
ولكن أقولها للمرة الآلف أننا لم نخلق لنرضى الخلق بل لنرضي خالقنا.. والإسلام لا يمثل النهضة والنهضة لا تمثل الإسلام.
وخلاصة القول: نحن لا نعادي النهضة بل نحن ضد سياستها.
تابع القراءة ←

الثلاثاء، 12 فبراير 2013

رسالة إلى المرشد...

رسالة إلى المرشد...
 
 
ميدل ايست أونلاين
بقلم: عصام الدين الراجحي
يوم نالت تونس استقلالها تساند الوجه التغريبي بالوجه الاستبدادي للدولة الناشئة بعد أن تمكّنت النخبة التغريبية الحاكمة من بلورة معالم دولة سلطوية تلغي دور المجتمع وثقافته الأصيلة ومؤسساته المدنية ممّا أحدث بالتدرج اختلال توازن بين الدولة/الحزب/الفرد من جهة والمجتمع من جهة أخرى مما أفرز نظام سياسيا أقل ما ينعت به أنه بوليسي فردي مركزي يتركّز حول شخص رئيس الدولة تشاركه النفوذ من وراء ستار جملة من مراكز النفوذ المتصارعة تتجمع حولها فعاليات سياسية وثقافية انتهازية وذلك بعد أن أصبح الحزب الحاكم لا يمثّل إلاّ إطارا شكليا ينتمي إليه الناس رغبة ورهبة، انتماء ذا طابع تأميني وانتهازي لا سياسي.
هذه بعض من كلمات سبق أن حبرتها سيدي المرشد، قارب وصفك للنظام السابق عين الصواب ولكن هل نظامك اليوم وأنت الماسك بزمامه لا يماهيه مع فارق المرجعية؟... هو لا يختلف كثيرا عن سابق ما كتبته وكأنك بقدر ما كنت تنقد كنت تنظّر لما يراه الكثير اليوم ، زعيم وجد أن ما لا يدرك عن طريق التنظيم العسكري والعمل السري المسلح يمكن أن يدرك عن طريق صناديق الاقتراع، سيطرة على مؤسسات الدولة باسم الديمقراطية واختراق مكشوف وسريع لأجهزتها سعيا لإعادة إنتاج نظام سابق جديد قائم على الهيمنة والإقصاء وعانى منه الجميع بما في ذلك أنتم. كأن الديمقراطية في عرفك تعنى أن تركب النهضة فوق ظهور التونسيين بداعي أنها حزب الأغلبية، وهو ما يضمن لمن يملك قوة الحشد أن يترجم ذلك بالإستيلاء على أجهزة الدولة وخاصة الأمنية منها مع استعداد لانقلاب على اللعبة الديمقراطية التي أتت بكم أو تفصيلها على مقاسكم تحديدا ليصبح الحكم بإسم الله.
من منطلق الأمانة، ومن منطلق النصيحة لله أقول لك: اتق الله… اتق الله في تصريحاتك... في أفعالك وفي أبناء وطنك، كأنني بك لم تتعلم من مأساة التسعينات بعد أن ساهمت في إسقاط بورقيبة بل عجٌلت بإسقاطه دون أن يكون لحزبك نصيب من الإرث سوى الجراح البليغة، وجعلت من إخوانك كبش فداء عمليتك الانقلابية الثانية سواء الذين كانوا في السجون الضيقة أو الواسعة،أو الذين شردوا في كافة أنحاء العالم، والذين تجرعوا مرارة الألم سابقا وقساوة حكومتك اليوم بنكران نادر الوجود.
سيدي المرشد لن ينسى أبناء الوطن أنك كنت بحماقتك الانقلابية محرض بن علي لكبت الشعب وقمعه وسبب مباشر لضياع عقدين من الزمن، بين الدكتاتورية والتفقير في حين كنت جنابك تتمتع بنقاهة الملوك في العواصم الأوروبية وها أنت تعيد الكرة بلا أسف... ولا حسرة على ما تواجهه بلادنا اليوم من مستقبل مجهول، ونفق مظلم وطوق شديد من شيعتكم لجرّنا لصولة الطغيان.
هل تستطيع أن تنكر سيدي المرشد أن التونسيين متخوفون من مستقبل اقتصادي واجتماعي يعيد تكرار تجربة التجمع تحت شعارات دينية، أو نظام بن علي بلحية وفقا مقولات الكثيرين، نحن على مشارف أزمة رهيبة - حتى لو تجاوزنا مشكل التعديل الوزاري - ستصبح بموجبها تونس شبحاَ مخيفاَ بعد ما كانت منذ ثورة الحرية كياناَ صلباَ يفتخر به الأبناء ويتودد إليه الأصدقاء ويقرأ له الأعداء ألف حساب.
عموم مريديك يثقون في فتاويك السياسية، وهذا ليس عيباً في حد ذاته، لكن العيب - وهذا هدفك - في تأييدهم المطلق لكل ما يصدر عنك من تصريحات ومواقف، رغم التناقض البين والصارخ بينها.. يتضح هذا للناس.. إذا قلت شيئاً، قال عموم النهضة: آمين.. وإذا قيل عكسه بعد يوم أو بعض يوم، قالوا: آمين.. هو الولاء في أبهى حلة للجماعة على حساب الوطن.
التبرير هو سيد الموقف.. أيها السيد دافع عما تقوله، لكن بوعي وتبصر.. ناقش واستمع إلى ما يقوله منتقدوكم ومخالفوكم، فليس كل ما يقولونه خطأ، كما أن كل ما تقوله ليس صواباً.. إن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها، كما جاء في الحديث الشريف..
فلتعذرني...لا أراك أخذا بالنصيحة سيدي، أقول طفح الكيل ونحن نرى تونس ضحية مؤامراتك وغريزتك اللامتناهية للسلطة، أراك تجني على نفسك ومن وراءك شيعتك عندما استعجلت الأمر فأرادت أن تزرع وتحصد وتأكل الثًمار في زمن واحد ولكن لن تنجح... ولو جيشت الملايين وانت القادر الذي مهد لظهور ميليشيات موازية تحرض على العنف والتقتيل.
لن نطلب منك الكثير سوى الرحيل بصمت من النهضة ومن السياسة، هم في حزبك ليسوا في حاجتك والوطن أكبر مني ومنك،لا تستكثر على ملايين التونسيين خبرا لطالما انتظروه بشغف بما فيهم رجال وطنيون من النهضة عاهدوا الله على كلمة سواء بينهم لا أراك تستسيغها "إني أحبك يا وطني".
اتقي الله، فمن السيء أن يكون تخريب الوطن هو ثمن رغبتك في السيطرة على الدولة.
في الختام أنتظر سباب أتباعك وقطيعك ووصفهم لي بأبشع النعوت مادمت تطاولت على القامة الكبرى علامة زمانه كما يقول بسيس عصره فتحي العيوني ولكن اسمح لي سيدي المرشد، راشد الغنوشي، رضي الله عنك أن أقول لك أنني إسلامي تونسي ولكنك لا تمثلني.
تابع القراءة ←

الجمعة، 1 فبراير 2013

مقالي الأسبوعي في ميدل ايست أونلاين: بين فكي الدولة العميقة و الجهاز السري... تونس الى أين ؟


بقلم: عصام الراجحي
يوما تلو الآخر يصحو التونسيون على ضجيج صراع الديكة المنتشين بخطب زعماتهم و انتصارتهم الوهمية.
مشهد نجح عرّابي السياسة في حبكه  في إطار مسلسل الاستقطاب الثنائي ، لولاهم ما كنا لنشاهد الشعب التونسي في حالة التموضع القصري بين هذا و ذاك ، و ليته كان بين الحق والباطل وان استماتا كلاهما في وصف نفسه بالقوة الخيرة التي تعمل على تحقيق أهداف الثورة .
يرى كثير من التونسيين أن خيوط اللعبة في تونس يحركها حركتا النهضة و نداء تونس ولكن الغالب على الظن أن الأصل في الشيء أوله ، فأزرار الرموت كنترول  بقيت في يد الدولة العميقة اللاعب الرئيس في تشكل النداء على الرغم من تجميله ببعض الوجوه اليسارية والحقوقية ،ينافسه على دفة القيادة الجهاز السري للنهضة الذي اكتسح مفاصل الدولة من وزارات و دواوين ومستشارين وإدارات واضعا نصب عينيه دك أكثر ما يمكن من حصون العدو لا للإصلاح وإنما لتثبيت خزان احتياطي سيأتي دوره في قادم الأيام .
 تونس اليوم سادتي في خطر داهم بين فكيي الجهاز السري و الدولة العميقة في وصف لحالة الصراع الخفي داخل الدولة الغير موجود للأفراد العاديين  أو يسمعون عنه، هذه الدولة العميقة تجمعها المصالح المشتركة بين أصحاب السلطة والمال والأمن تحرص على بقاء النظام القديم بكل ما فيه لأن بقائها هو بقاء لها ولمصالحها و يمتد تأثيرها وتشعبها ليصل إلى كافة أصحاب السلطة حتى أصغر موظف بمؤسسات الدولة .هذا البناء الذي تمثل البيروقراطية أساساً له يحاول أن يدير شؤون البلاد بصرف النظر عن الحزب الذي يحكم من خلال مصالح ورؤى مشتركة و مترابطة تدفع أموال طائلة من أجل الحفاظ على امتيازاتها ومكتسباتها و دائما ما كانت في الأيام الماضية وراء الانفلات الأمني وجميع الأزمات . 
على الطرف النقيض جهاز عاد للتشكل في أول أيام فوز الحركة بالوزارة فقد كان للنهضة جهاز امني سري ينسق مباشرة مع زعيم  الحركة، كان محمد شمام مشرفا على هذا الجهاز إلى جانب المنصف بن سالم وزير التعليم العالي حاليا و السيد الفرجاني مستشار الوزير الحاكم بأمره اليوم في وزارة العدل  والذي خطط لانقلاب 8 نوفمبر 1987 بمعية السابق ذكرهم واطلاع كامل من القيادة .                           
كما يتوزع مجموعة من أفراد التنظيم داخل الوزارات  كالرجل القوي محمد بن سالم وزير الفلاحة وبلقاسم الفرشيشي مستشار الجبالي و الطاهر بوبحري الذي كان يتولى مهمة التنسيق داخل الجهاز العسكري الخاص بين العناصر التي بقيت في الداخل والأخرى التي لاذت بالفرار في بداية التسعينات ، ويشغل الآن نفس المهمة تقريبا حيث يتولى التنسيق بين الحكومة وتنظيم الحركة ويحتل مكتبا بقصر الحكومة بالقصبة، في حين يتولى منير قلوز احد قدماء الجهاز الخاص مهمة الملحق البرلماني والمدير التنفيذي لكتلة النهضة في المجلس ويسهر على التنسيق بين المجلس التأسيسي وتنظيم الحركة بالإضافة إلى آخرين ...
ولن تكون وزارة الداخلية بمنأى عن هذا الاختراق ، فكل الطبقة السياسية تروج أن قدماء التنظيم  هم المتحكمون في قاعة العمليات اليوم و يواجه كثير من مستشاري الوزير احتجاجات من نقابات الأمن على خلفية محاولاتهم تسيس الأمن الجمهوري  و تخطيطهم لعودة شاكلة جديدة من البوليس السياسي .
قد يتفق معظم التونسيين على ضرورة اجتثاث بقايا الدولة العميقة و لكن ليس على حساب الوطن فهذه  الخطوات إن صحت ستؤدي نحو ابتلاع الدولة في رحم الجماعة وتشكيل دولة عميقة جديدة ،فنحن لا نشكك في شرعية الحكومة بقدر ما ننظر بريبة لتحركات البعض و محاولاتهم الضغط على رئيس هذه الحكومة و حبس أنفاسه وعرقلة محاولاته للإصلاح بشكل يظهر جليا في اختيار القيادات القريبة في الإدارة على نحو يضمن الولاء للحركة و شيخها ضمن إستراتيجية محكمة تتبعها لترسيخ أقدامها من المبكر تحديد معالمها في الوقت الراهن، وان كانت بعض المؤشرات تلمح إلى مساع للحفاظ على السلطة لأكبر وقت ممكن بما يعوض طول فترة الاضطهاد السياسي الذي عانوه في الماضي .
http://www.middle-east-online.com/?id=148338
تابع القراءة ←

الثلاثاء، 29 يناير 2013

المفكر هشام جعيط لـ"الصباح" لا يمكن لأي فئة أو حزب أو حركة فرض أفكارها بالقوة


120




 نصيحتي للجبالي أن يفوض الأمور الإدارية لغيره وأن يهتم بالسياسة -  عندما يتحقق الاستقرار يمكن أن نقول إن الثورة نجحت -  حوار: آسيا العتروس -  يواصل المفكر هشام جعيط في هذا الجزء الثاني من الحوار الذي خص به «الصباح» والذي نشرنا الجزء الاول منه في عدد الأحد 27 جانفي

تقديم آرائه و مواقفه من القيم الانسانية والقوانين الى جانب مفهومه للحرية والديموقراطية وظاهرة السلفيين، كما يقدم قراءته الخاصة لتقسيم السلطات في الدستور وتنظيم العلاقة بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية .
ويعتبر الدكتور والباحث هشام جعيط أن الشعوب تعودت تاريخيا على القائد الزعيم المتفرد بالسلطة وهو ما يظهر مجددا في مصر من خلال الصلاحيات الفرعونية التي منحها الاعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي. ويقول الدكتور جعيط «أن القوة ستعود بنا الى الدكتاتورية
ولذلك فإن الدولة وحدها يجب ان تتصدى للعنف».
 كما يتطرق هذا الجزء الثاني والأخير من الحوار في جانب كبير منه الى الوضع الاقتصادي والاجتماعي والاصلاح الاداري وضرورة اعادة الاستقرار المنشود للمشهد الراهن بهدف ضمان تحقيق أهداف الثورة، وذلك بالاعتماد على تجارب الاخرين. ويعتبر المفكر التونسي أنه لا بد من تصور سياسي، فهذا أمر ضروري لتكوين مؤسسات صحيحة. ويشدد على أن الجهات الجريحة والعاطلين يجب أن يشكلوا «أولوية الأولويات» للوصول الى الاستقرار المطلوب.
ولعله من المهم الاشارة الى أنك وأنت تحاور صرحا من صروح المعرفة في العالمين العربي والاسلامي وتتابع نظراته وهو يقرأ بكل تأن أفكاره لا تستطيع أن تمنع نفسك من استراق النظر الى ذلك الكنز الكبير المحيط به وتلك الآلاف المؤلفة من العناوين التي تؤثث مكتبه بين القديم والحديث في مختلف المجالات والبحوث والدراسات، فتقع على بعضها، وأنت تحاول أن تقرأ شخصية محدثك واهتماماته الأدبية والتاريخية وهو ينفث دخان سيجارته تباعا ويترشف قهوته السوداء ولا يتوانى بدوره عن السؤال عما آلت إليه الأوضاع في مؤسسة «دار الصباح» وعن المشهد الاعلامي ويتحفك بما لا تعلم عن علاقة بورقيبة بوسائل الاعلام ودعمه في فترات حرجة لمؤسس «دار الصباح» المرحوم الحبيب شيخ روحه ولبشير بن يحمد صاحب مجلة «جون أفريك» وحرصه على «استقلالية» الخط التحريري لتلك المؤسسات الاعلامية وفي نفس الوقت ضمان تأييدها له وقت الحاجة... وباستثناء كتب السيرة النبوية وغيرها من المؤلفات حول التاريخ الاسلامي ستجد بين تلك الكنوز من الكتب كتاب هشام شرابي «الجمر و الرماد» وعبد الله العروي «خواطر الصباح» ورشدي راشد في تاريخ العلوم و Max weber le savant et le politique ;yasmina khadra lattentat ;Giles kepel jihad ;Marcel Gauchet la condition historique وغير ذلك من العناوين التي تتمنى أن تنهال عليها...
حوار: آسيا العتروس -  
* هل نعيش أزمة قيم أم أزمة أخلاق أم أزمة ضمير تجعلنا نواجه العنف بكل أنواعه؟
- هناك إفلاس ثقافي حاصل، ولكن القيم الانسانية تؤكد على العدالة والكرامة والمساواة بين المسلمين واحترام الذات البشرية وهي أمور هامة جدا، وهذا ليس فقط في الاسلام وفي المسيحية بل وفي غيرها من الأديان أيضا. والقيم في الواقع يستنبطنها المرء في تربيته وداخل ضميره وتكون له وازعا أساسيا في التضامن الانساني وسيرة الانسان في الحياة وهي أهم من القوانين، لكن تأخر العالم الاسلامي جعل الكثيرين يلهثون وراء بعض الفئات الهوجاء وهم لا يفهمون شيئا من الاسلام. انما الواقع أن الديموقراطية تعني الحرية وأنه لكل فرد أن تكون له نظريته في الامور، وحتى السلفيون لهم الحق أن يقولوا ما يشاؤون ولكن ليس لهم الحق إطلاقا في فرض أفكارهم بالقوة و العنف. وفي كل مجتمع الدولة وحدها من يتصدى للعنف وعندما تغض الطرف عنه فهذا أمر خطير ونأسف له.
صحيح أننا قد نتفهم الى حد ما هذا التردد إزاء الأمر في هذا الظرف الذي مازلنا نعيش معه حالة من الفوضى الى حد كبير، ولكن ليس تماما، ولا يمكن لأي فئة مختلفة، حركة كانت أو حزبا، أن يفرض أفكاره بالقوة.
نحن إذن إزاء أمر أساسي يمليه الشعور بالمسؤولية في مثل هذه المسائل .
* ومن يتحمل المسؤولية ازاء ما نشهده اليوم من تفاقم لمختلف مظاهر العنف؟
- أريد أن أنزه أناسا تألموا من الدكتاتورية ولهم مشاعر اسلامية ويعون الدين وسياسة المجتمع أن يقبلوا بهذا الامر، انما مرة أخرى يجب تنبيه الرأي العام التونسي الى أن كل شخص له الحق في التعبير السلمي عن الرأي بما في ذلك السلفيين، وهم في اعتقادي قلة. الديموقراطية تهم كل الناس والقوة سترجعنا الى الدكتاتورية وهي شر أخلاقي في حد ذاته .
* حددت فيما سبق المشهد السياسي في أربعة أحزاب سياسية دون الاشارة الى «نداء تونس» والحال أنه الحركة الأكثر إثارة للجدل اليوم، فهل يعني ذلك أن هذا الحزب لا موقع له في المشهد؟
- أبدا وأعتقد أنه من الضروري أن يوجد شيء مثل «نداء تونس» ضمن المشهد الواسع. أنا لا أريد تقييمه في أفكاره ولكن في اعتقادي أنه حزب له أتباعه وتوجهاته وخياراته أيضا، ولكني لا أعتقد أنه سيكون له دور كبير، بمعنى إني لا أعتقد أنه سيحظى بالأغلبية في الانتخابات ولا أرى هذا ممكنا.
* كيف يمكن أن يضمن الدستور مسألة الحريات؟
- إذا رجعنا للدستور سنجد أنه ليس مدخلا عاما الى المبادئ الأساسية فحسب، بل فيه أيضا عمل وتركيبة الدولة ومسيرتها... ولكن ما نراه حتى الآن أن الكل يجذب الأمور لنفسه وهذا وإن كان طبيعيا فليس بالمستحسن .
يجب التفاهم حول نظام معقول، والنظام المعقول لا يمكن أن يخلق من عدم، وهذا البلد، ككل البلدان، له ارث تاريخي وله تقاليده ومن جملتها أيضا مفهوم الرئاسة. ونحن عرفنا الملوكية وهي نوع من الرئاسة، وعرفنا الرئاسة السلطوية وجزء مهم من الشعب لم يفهم من الأول ألا يوجد رئيس بيده الحل والعقد، وإلى الآن هناك مطامع بالرئاسة... والحقيقة أن الملك يرواغ أحلام القادة السياسيين، فهم ليسوا متعودين على النظام البرلماني الذي يكون رئيس الحكومة فيه تابعا للبرلمان ومنفصلا عن الرئيس.
هنا الحقيقة، رصيدنا أقل وطأة من الانظمة الاخرى، فالرئيس يصبح بصلاحياته المطلقة دكتاتورا، ولو أننا نظرنا الى ما يحدث اليوم في مصر في الذكرى الثانية للثورة سنجد أن مفهوم الرئيس والدكتاتورية يرجع للفراعنة، ولهذا نرى الاحتجاجات العارمة في هذا البلد على تركيبة الرئيس والاخوان ورفضا قويا لما يحدث، فالثورة أدخلت انقطاعا في مسار التاريخ وأتت بالجديد. ونحن - وأعود الآن إلى تونس - باتخاذنا مفهوم الثالوث الحاكم الذي يتقمص الدولة أكثر تطورا من مصر لأن رئيسنا بلا سلطة قوية من جهة تسيير الادارة والسياسة اليومية، أي الوزارات، انما التخوف كل التخوف أن يحصل السطو على مفهوم الدولة من طرف حكومة تتألف من حزب واحد. ثم اننا لسنا متعودين كبريطانيا مثلا على النظام البرلماني. وفي رأيي من المهم أن يقع اقتسام الحكم في الدستور فيما بعد على أساس محدد.
* كيف يمكن ذلك؟
- أولا، يجب أن يكون في الدولة مرجعا ورمزا للبلاد، ومن هذا المنطلق يكون الرئيس رمز الدولة ورمز الأمة. وأعتقد أن علينا أن نستنبط مفهوما للرئاسة يكون للرئيس فيها دور، وبما أننا شعب يقلد كثيرا فرنسا فلا بأس، وهذه وجهة نظري، أن يكون للرئيس مستقبلا سلطة على الدفاع الوطني وعلى الشؤون الخارجية ونوع من الأولوية.
وبالنسبة لرئيس الحكومة، الذي لديه ادارة الشؤون الادارية للبلاد، أن تكون له مسؤولية هامة في سياسة الامور. وفي هذا الشأن للرئيس إمكانية إعطاء خارطة طريق، كذلك لا بد أن يكون رئيس الحكومة مسؤولا لدى البرلمان لكي يتدخل في اعطاء خارطة طريق للحكومة والخطوط العريضة للسياسة الداخلية ويجب ايجاد صيغة لهذا وهي ليست صيغة صعبة للتوافق بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة. ثم وفي قناعتي الخاصة انه من الافضل أن يكون الرئيس منتخبا من الشعب وتكون له شرعيته، ولكن من جهة أخرى وسواء كان رئيس الحكومة يمثل حزبا منتخبا في البرلمان أو الائتلاف الحاكم، فإني أتخوف دائما من الحزب الوحيد، والأفضل أن يكون رئيس الحكومة يترأس ائتلافا غير متسع من الأحزاب وتكون صلة التفاهم قوية بين الثالوث مثلا ويكون رئيس الحكومة رئيسا للحكومة والبرلمان وكلهم يمثلون بذلك الشرعية المتأتية من الشعب.
خلاصة القول أن المسألة ليست مسألة نصوص، فالنصوص قاعدة، والمسألة في تطبيق الامور ويتكون بالتالي من هذا التطبيق تقليد وبالتالي نسير في خطى ان شاء الله لتكوين جمهورية ديموقراطية وتكون هذه الجمهورية متزنة ومستقرة. وعندما يتم الاستقرار بعد سنوات يمكن القول أن الثورة نجحت وتكون تونس وغيرها من الدول العربية دخلت سياسيا العصر الحديث، والعصر الحديث ليس قيمة عليا في حد ذاته ولكنه الامر الواقع الذي تتجه نحوه شعوب العالم في من حولنا في عصر العولمة.
* من هذا المنظور، كيف ترى مستقبل تونس؟
- إذا اتفقوا على الدستور وإذا حدثت الانتخابات في نهاية العام وجرت الامور كما أتصور وحصل اتفاق، فيجب أن يتجه العمل لإصلاح ما هو اقتصادي واجتماعي، ولا ننسى أن كل شيء مؤقت في الحياة وليس هذه الحكومة فقط. فنحن أمام واقع اقتصادي صعب ومن الطبيعي في الظروف التي نعيشها أن نشهد مثل هذا الانحدار، ولكن لا يمكن أن تبقى جهات في البلاد في حالة من الفاقة والجوع وهذا أمر غير مقبول بالمرة ولا يمكن أن يستمر .
* ما البديل، وكيف الخروج من هذا الوضع والحال أن المطالب الاحتجاجية تتزايد؟
- قلت رأيي منذ البداية... الجهات المتألمة من الوضع الاقتصادي لها الاولوية، والادوية الكلاسيكية لا يمكن اليوم تطبيقها والاستثمارات وغيرها من الحلول تتطلب وقتا وهدوءا ومن الضروري أن تقدم حلول جريئة ومستنبطة لفائدة العاطلين عن العمل في الجهات ورصد قيمة مالية أكبر لفائدة هؤلاء، وأشير الى أن منحة البطالة مسألة ضرورية وليست ترفا لتحقيق كرامة هؤلاء.
قسم كبير من الشعب في حالة يرثى لها من الفاقة والبطالة تتفاقم وهي أصل الاضطرابات ولا يمكن ان يستقيم نظام جمهوري ويكون مستقرا في حالة الفوضى .
* ولكن، ألا يمكن أن يزيد ذلك أعباء الدولة ويدفع الى البحث عن الحلول الاسهل ومنطق المساعدات فيزول منطق الاجتهاد والعمل كقيمة من القيم الضرورية للنجاح؟
- هذه ليست بالحلول السهلة، فتخصيص جراية للعاطلين بمائتي دينار مثلا، يمكن أن تساعد على التوجه نحو الاستقرار. فقسم كبير من الناس في حالة غليان والمؤسف أن خبراء الاقتصاد عندنا، ورغم أنهم تربوا في الغرب واكتسبوا المعارف هناك، فإنهم ظلوا كلاسيكيين في تفكيرهم. ومن هنا أود التوقف عند تجربة فرنسا مع الجراية المخصصة للعاطلين، ولولا هذه الخطوة لشهدت فرنسا ثورة جديدة. وقد توصلت حكومة ميشال روكار الى حل لمساعدة الاكثر فقرا وتجنب بالتالي - انفجار اجتماعي وشيك حيث تم اقرار ما اصطلح عليه آنذاك revenu minimum dinsertion (rmi) وهي منحة اجتماعية لضمان الحد الادنى للمعوزين لفائدة مليوني فرنسي من عديمي الدخل، وقد استمر بها العمل من 1988 الى 2009 قبل أن يقع مراجعتها وإقرارها بـrevenu de solidarite active (rsa) وذلك بعد مراجعة مفهومها الفلسفي وأبعادها وهي محددة في شروطها وفي مدتها.
وينبغي أن ندرك أن العالم في حالة أزمة اقتصادية ونحن جزء من هذا العالم ونتحمل كذلك تداعيات الأزمات الاقتصادية ولا مجال للتعويل على التضامن العربي فلا تضامن بين الدول العربية ولا أمل فيها. أما أوروبا وأمريكا - التي يمكن أن تساعد في بعض الاحيان - فهي أيضا في أزمة، ثم انها غير مرتاحة للوضع الذي باتت فيع دول الربيع العربي .
الاعتماد في المقابل سيكون على المؤسسات الدولية ومنها البنك الدولي والبنك الافريقي، وأكرر ان الاخوان العرب لا اعتماد عليهم .
* حتى الحليف القطري؟
- هؤلاء يساومون ولا يريدون غير مصالحهم. لكن لدينا في المقابل صفة التلميذ الجيد في التعامل مع المؤسسات الدولية، بمعنى أن تونس تلتزم بتسديد ديونها ووفية لالتزاماتها وهذه شهادة جيدة بالنسبة لبلدنا ويمكن استثمارها من جانب وزارة المالية، كما البنك المركزي، ولا بأس أيضا أن يتم التشاور في ذلك مع الحكومة وحتى رئاسة الجمهورية من أجل اعتماد الليونة في تسديد ديون تونس وربما تأجيلها وهذا الامر يجب طرحه اليوم وقبل موعد الانتخابات، ولا يمكن ايضا الانتظار حتى الانتهاء من الدستور.
السبب أننا في حاجة للاستقرار ومنح تونس هذه الأولوية سيساعد على الاستقرار اذ بدون استقرار لا مجال للتقدم. فالحكومة تسير بصفة كلاسيكية وكأن الأمور في البلاد عادية. هناك أمور استعجالية، والمشكلة الأخرى أن إدارتنا بطيئة في كل الأمور. بإمكان الحكومة تكوين جهاز سريع لكل هذا درءا لمزيد الاضطراب.
* ولكن المسؤولين يتحدثون في كل المناسبات، وحتى في غير مناسبات، عن عائدات المؤسسات المصادرة والأموال المهربة، وهذا يجعل المطالب الشعبية تتزايد، فهل يمكن التعويل على هذه المصادر لإنقاذ الاقتصاد؟
-لا يمكن الاعتماد على الأموال المهربة (هذي حكاية فارغة)... الناس مرضى جراء النقاشات السياسية ولا يمكن حل المشاكل ببيع الأوهام، كما لا يمكن التعامل مع مطالب ابناء الشمال والجنوب بالقوة... هذا خطأ كبير.
ومن جهة أخرى أيضا، لا بد من خطاب سياسي جريء ولا بد من توعية الناس ومن الاهتمام بهذه الامور الحاصلة في الجهات، وتجربة المنحة ضرورية ولا غنى عنها.
حتى لو استقامت الأمور وكتب الدستور وقامت مؤسسات مستقرة ودائمة، سيبقى المشكل الاجتماعي قائما. فنحن لا نزال في مرحلة لا يمكن التعويل فيها على أصحاب الاموال والاستثمارات الداخلية. هناك أمور واقعية ولا بد من استخلاص العبر منها، والاستثمارات الخارجية لا تزال مترددة. لا بد اذن من تصور سياسي وهذا ضروري جدا وهو الشرط الاساسي لتكوين مؤسسات قوية، وللأسف نحن شعب سريالي ويتخبط في الجدالات العقيمة .
* لو نتحدث عن الأولويات؟
- الاصلاح الاداري أساسي، وما حدث حتى الآن لم يقدم المطلوب. لدينا ادارة مأخوذة عن فرنسا من عهد الاستعمار ولم تتطور بعد. الادارة أساسية لكن المسائل السياسية تتجاوزها، ونصيحتي لرئيس الحكومة أن يترك كل ما هو إداري لغيره وأن يهتم بالشؤون السياسية، فهناك يوميا قرارات إدارية يوقعها وهذا أمر كان في السابق حاصل ومن مشمولات رئيس الجمهورية .
* وماذا بشأن الخبرة المطلوبة في العمل السياسي؟
- التجربة وحدها لا تكفي، والشعب قال لا لبن علي وجماعته الذين لديهم التجربة. هناك صعوبات كثيرة بالتأكيد وتونس الماضي ليست تونس الحاضر. هناك فكرة سائدة أن من ضحى بحياته لديه استحقاق في الحكم والنضالية قديمة وهذا ينسحب على مصر أيضا وفي اعتقادي أن الحكام الجدد سياسيون ومهنيون وبدؤوا يكتسبون الخبرة، فالرئيس المؤقت مثلا معارض سياسي وهذا منذ سنوات طويلة، وبعد المعارضة أصبح في الحكم والمعارضة ليست الحكم، وبن جعفر كذلك معارض وكان له موقعه على الساحة، ولو أنه لم يدخل السجن. ربما يصح القول أننا بلد صغير ولكننا لدينا الكثير من السياسيين.
* الشعب كله اليوم يتحدث في السياسة... هل هذا أمر طبيعي؟
- من الطبيعي أن يهتم البشر بشؤون بلادهم، فقد عشنا فترة طويلة الدولة كل شيء، وتاريخيا كل شيء يعتمد على الدولة ولكن غير ذلك في أمريكا مثلا، فالمجتمع أقوى من الدولة وهناك أصحاب الأموال والمؤسسات المالية والاقتصادية أقوى من الدولة وامكانياتها الاقتصادية تتجاوز امكانيات الدولة، ثم ان المجتمع مهيكل، ومن هنا فإن الدولة نراها تتدخل كثيرا في حالات استثنائية، من ذلك ما حدث في الكونغرس لتجاوز الأزمة الراهنة بين الجمهوريين والديموقراطيين وتجنب الهاوية المالية.
فرنسا مثال آخر ووضعية مختلفة والدولة كان لها في تاريخها دوما دور مهم في كل ما يتعلق بالاقتصاد الخاص الذي يمثل اليوم قلب الرأسمالية.
نستعرض كل هذا لأنه لا بد من الوصول الى درجة من الاستقرار وتجنب مزيد الاضطراب .
* التونسي اليوم خائف والكثيرون يبحثون عن الهجرة وانقاذ مستقبل أبنائهم، أو هذا على الاقل ما يقولونه، فما هو تعليق الدكتور هشام جعيط وهو الذي وجد نفسه في وقت من الأوقات يختار المنفى القسري بسبب التضييقات على أصحاب الفكر والنخب؟
-فعلا، كنت في مرحلة من حياتي مدفوعا الى المنفى الاختياري وهذا ليس بالمصطلح الجديد و يعود الى التضييقات وغيرها من الممارسات التي اعتمدها النظام السابق، ولكن قناعتي أنه لا يوجد بعدُ سبب للخوف.
 قبل عامين كنا نسمع الكثير من المخاوف بأن المرأة لن تستطيع الخروج بدون حجاب وأنه سيمنع الخمر نهائيا في البلاد وغير ذلك من المخاوف، ولكن لا شيء حدث من ذلك وما نراه اليوم أن الكل حر في ممارسة خياراته وطريقته في الحياة، وهذا ما يجب احترامه.
ما نلمسه اليوم، وهذه حقيقة، أن هناك حرية وأشعر بالفرق الحاصل فيما تقدمه وسائل الاعلام وبالجهود في مجال صحافة الاستقصاء والصحافة المكتوبة والفرق شاسع وواضح بين ما كان موجودا وبين ما هو قائم اليوم ولا أعتقد ان هذا الامر قابل للتراجع مع أني لا أتابع كل الصحف.
* سؤال أخير قبل أن نختم هذا اللقاء، هل طلب منك الانضمام الى الحكومة؟
-أبدا لم يحدث مثل هذا الأمر...
* وهل تقبل بذلك لو عرض عليك؟
-لا أقبل الدخول في حكومة كيفما كانت ولو كانت أفضل الحكومات في التاريخ. سأبقى مستقلا في تفكيري وبحوثي واهتماماتي ودراساتي الاكاديمية، ولا يمكن أن أتقيد بشيء رسمي، وحتى في بيت الحكمة أقوم بما يريحني ويقدم لي الاضافة وأنا مرتاح لذلك واستقلاليتي لا تنازل عنها.
 انتهى
      
من هو هشام جعيط؟
هشام جعيط، من مواليد 6 ديسمبر 1935 كاتب ومؤرخ ومفكر تونسي باحث في التاريخ الاسلامي .تخصّص في التاريخ الإسلامي وقام بنشر العديد من الأعمال صدرت سواء في العالم العربي أو أوروبا. أحرز سنة 1981 على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة باريس. وهو أستاذ شرفي بجامعة تونس، أستاذ زائر بكل من جامعة ماك غيل (مونتريال) وجامعة كاليفورنيا، بركلي وبمعهد فرنسا.
من مؤلّفاته:
الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، بالفرنسية، 1974
أوروبا والإسلام: صدام الثّقافة والحداثة، بالفرنسية، 1978
الكوفة: نشاة المدينة العربية الإسلامية، بالعربية والفرنسية، 1986
الفتنة: جدليّة الدّين والسّياسة في الإسلام المبكّر، بالفرنسية، 1989، بالعربية 2002
في السيرة النبوية - 1 - الوحي والقرآن والنّبوّة 1999
أزمة الثقافة الإسلامية 2001
في السيرة النبوية - 2 - تاريخية الدعوة المحمدية 2006
في السيرة النبوية 3 حياة محمد سيرة النبي في المدينة وانتصار الاسلام 2012.عين المفكر هشام جعيط قبل عام مديرا لبيت الحكمة المجمع التونسي للعلوم و الاداب و الفنون .
تابع القراءة ←
;